الشيخ محمد علي طه الدرة

175

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعية ، ويدل عليه قوله تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ . . . إلخ فسماهم مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتجرون فيها ، وينقلون بضائع للناس من صقع إلى صقع ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل المسكنة ، ويتعوذ باللّه من الفقر ، فعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اللّهمّ أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة » . رواه الترمذي ، فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير ، لما تعوذ من الفقر ، وسأل المسكنة . وَالْعامِلِينَ عَلَيْها : هم السعاة الذين يتولون جباية الصدقات ، وقبضها من أهلها ، ووضعها في جهتها ، فيعطون من مال الزكاة بقدر أجورهم ، سواء أكانوا فقراء ، أم أغنياء ، ولا يجوز أن يكونوا من بني هاشم ، ولا من بني المطلب . وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ : هم قوم أسلموا ، ونيتهم ضعيفة ، لم يرسخ الإيمان في قلوبهم ، وقد أعطى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من غنائم هوازن : عيينة بن حصن الفزاري ، والأقرع بن حابس التميمي ، والعباس بن مرداس السلمي ، فقد أعطاهم صلّى اللّه عليه وسلّم لتقوى رغبتهم في الإسلام ، ومن المؤلفة قوم أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام ، وهم أشراف في أقوامهم ، مثل : عدي بن حاتم الطائي ، والزبرقان بن بدر ، فأعطاهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، تألفا لقومهم ، وترغيبا لأمثالهم في الإسلام . وَفِي الرِّقابِ أي : وفي فك الرقاب ، ويكون بأمور : بمعاونة المكاتبين على تحرير أنفسهم من الرق ، وهذا لا وجود له اليوم ، وقيل : بشراء العبيد وإعتاقهم ، ويكون بفك الأسرى من يد الكفار ، وهذا لا ينعدم في كل زمان ومكان . وَالْغارِمِينَ : جمع غارم ، وهم قسمان : قسم ادّانوا لأنفسهم في غير معصية ، فيعطون بقدر ديونهم إذا لم يجدوا وفاء ، وقسم ادّانوا في المعروف ، وإصلاح ذات البين ، كأن تحمل أحدهم دية قتيل ، أو قتلى لتسكين الفتنة ، وقطع دابر الشر ، فيعطون من مال الصدقات ما يقضي ديونهم ، وإن كانوا أغنياء ، أما من كان دينه في معصية فلا يعطى من الصدقات شيئا . وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : وفي النفقة في سبيل اللّه ، والمراد به : الغزاة ، فلهم سهم من مال الصدقات ، فيعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد . وإن كانوا أغنياء ، وأجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل اللّه إلى جميع وجوه الخير ، من تكفين الموتى ، وبناء الجسور والحصون ، وعمارة المساجد ، وغير ذلك ، والقول الأول هو المعتمد لإجماع الجمهور عليه . وَابْنِ السَّبِيلِ أي : المسافر من بلد يعطى من مال الصدقات ما يكفيه لمؤونة سفره حتى يصل بلده ، وهذا إذا لم يكن معه مال يوصله إلى مقصده ، وإن كان له مال كثير في بلده ، وانظر شرح ( سبيل ) في الآية رقم [ 142 ] ( الأعراف ) .